ابن كثير

302

البداية والنهاية

من علمائنا علماء السير - أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت ، وبالنبال حتى فنيت ، وبالسيوف حتى تحطمت ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي والرمي بالحجارة والتراب في الوجوه ، وتعاضوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان ، وكل واحد منهما يهمر على الآخر ويهمر عليه ثم يقومان فيقتتلان كما كانا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك وصلى الناس الصبح إيماء وهم في القتال حتى تضاحى النهار وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام ، وذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة ، فجعل بمن فيها على أهل الشام وتبعه علي فتنقضت غالب صفوفهم وكادوا ينهزمون ، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح : وقالوا : هذا بيننا وبينكم قد فني الناس فمن للثغور ؟ ومن لجهاد المشركين والكفار . وذكر ابن جرير وغيره من أهل التاريخ أن الذي أشار بهذا هو عمرو بن العاص ، وذلك لما رأى ، أن أهل العراق قد استظهروا في ذلك الموقف ، أحب أن ينفصل الحال وأن يتأخر الامر فإن كلا الفريقين صابر للآخر ، والناس يتفانون . فقال إلى معاوية : إني قد رأيت أمرا لا يزيدنا هذه الساعة إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة ، أرى أن نرفع المصاحف وندعوهم إليها ، فإن أجابوا كلهم إلى ذلك برد القتال ، وإن اختلفوا فيما بينهم فمن قائل نجيبهم ، وقائل لا نجيبهم ، فشلوا وذهب ريحهم ، وقال الإمام أحمد ، حدثنا يعلى بن عبيد عن عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب بن أبي ثابت . قال أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي بالنهروان فيما استجابوا له وفيما فارقوه ، وفيما استحل قتالهم فقال : كنا بصفين فلما استحر القتال بأهل الشام اعتصموا بتل فقال عمرو بن العاص لمعاوية : أرسل إلي علي بمصحف فأدعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك فجاء به رجل فقال : بيننا وبينكم كتاب الله * ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم بعد ذلك وهم معرضون ) * [ آل عمران : 23 ] فقال علي : نعم ! وأنا أولى بذلك بيننا وبينكم كتاب الله قال فجاءته الخوارج ونحن ندعوهم يومئذ القراء وسيوفهم على عواتقهم ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فتكلم سهل بن حنيف فقال : يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصلح الذي كان بين رسول الله وبين المشركين - ولو نرى قتالا لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول الله فقال : يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل ؟ وذكر تمام الحديث كما تقدم في موضعه ( 1 ) . رفع أهل الشام المصاحف فلما رفعت المصاحف قال أهل العراق : نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه . قال أبو مخنف : حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه أن عليا قال : عباد الله أمضوا إلى حقكم وصدقكم

--> ( 1 ) انظر مسند الإمام أحمد 3 / 485 - 486 .